أحد (الناس) فسخ خطبته عندما اكتشف أن خطيبته خدعته لأنها لم تخبره بعملية الزائدة التي خضعت لها قبل عشر سنوات!! وتطوّرت الإشاعات بعد ذلك بين الجيران باحتمالية أن تكون العملية (مرارة وليست زائدة).. وموقف صاحبنا هذا ليس أقل تفاهة ممن (يشطب) امرأة من قائمة تفكيره لمجرّد أنّ رجلا آخر زار أهلها خاطبا ولكن (ما صار نصيب)، أما إن كانت الفتاة مخطوبة سابقا فموضوعها غير قابل للنقاش لدى هذا النوع من الرجال (وأمهاتهم طبعا).

الجسد عند الغربيين مباح منذ سنّ الرابعة عشرة، حيث تبدأ العلاقات (المفتوحة) بين الجنسين بتشجيع من المجتمع عند تلك السن المبكرة، وتستطيع المرأة امتلاك قرارها كاملا في جسدها وحياتها (خارج الأسرة) بعد سن الثامنة عشرة، ولا يخطر ببال زوج المستقبل أن يسأل عن عدد علاقاتها قبل الزواج، لأن هذا الأمر مباح، وهو جزء من الحقوق الشخصية للفرد.

مجتمع (الإباحية) الغربي أتاح للإنسان حرّية التصرّف بجسده، دون أية قيود اجتماعية أو دينية، وهو مجتمع معاكس تماما في قيمه لمجتمعنا الشرقي حيث الجسد لدينا مقدّس، وأي مساس به (للمرأة وليس الرجل) يعني انتهاء الشرف والكرامة، وبالتالي العزلة الاجتماعية، أو القتل (أحيانا) إذا وصل الأمر حدّ الزنا.

المأساة في “قداسة الجسد” أنها انعكست بشكل متخلّف على فئة المطلقات والأرامل من النساء، بل انسحب الأمر إلى كل امرأة فكرت يوما بالاقتران بآخر (كما ورد بداية المقال) وهذا التفكير لا علاقة له بالدين أبدا، بل هو نتيجة حتمية لجملة من الموروثات الجاهلية، ودعاوى الشرف الكاذب، التي حرمت آلاف النساء من الزواج مرّة أخرى لأن أجسادهن قد تم (تدنيسها يوما ما) بطريقة شرعية.

الجسد في الإسلام ليس مباحا ولا مقدّسا، بل هو مكرّم ومحترم، تحكمه جملة من القواعد الأخلاقية، لذا نادرا ما كنت تجد مطلقة أو أرملة في عهد الرسول عليه السلام وصحابته الكرام تبقى من غير زواج بعد انتهاء عدّتها، بل تجد على باب بيتها عددا من الخطّاب، وهي تختار أحسنهم، والأمثلة في السيرة كثيرة، وهناك عشرات الصحابيات ممن تزوّجن عدّة مرّات، وخصوصا من زوجات الشهداء.

قيمة الإنسان ليست في جسده، والله سبحانه لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أجسامنا، لأن الجسد بدأ خلقه من تراب، وينتهي إلى التراب، وإنما الإنسان روح ونفس وعقل، ومجموعة من المشاعر والانفعلات والقيم، ومن أسوأ من نمارسه في مجتمعنا عملية تحويل الجسد إلى خصم للروح والقيم، مع أن الجسد هالك وفاني، والروح باقية وخالدة، ورحم الله تلك المناضلة التونسية التي تم اغتصابها في السجون عشرات المرات، وعندما خرجت قالت: لقد اعتدوا على جسدي الذي مصيره إلى التراب، ولكن روحي ما زالت تحلّق مع الملائكة، ولن أتراجع عن مبادئي قيد أنملة.

علينا التفكير مليّا في كيفية إحداث تغيير اجتماعي في هذه المسألة، وكيف يمكن أن ننتقل من قداسة الجسد إلى احترامه ضمن ضوابط الشرع، وأن يتم النظر إلى المطلقات والأرامل نظرة أكثر إنسانية، وعدم تحميلهن وزر عادات وقيم متخلّفة، وأن نتمسّك بقيم العدالة، فالرجل في مجتمعنا لا يضرّه أن يتزوّج عشر نساء (يجمع بين أربعة في كل مرة)، ولا يقدح ذلك في أخلاقه ورجولته و(جسده)، أما المرأة فيتم إلغاء وجودها لأنها أقدمت (مع سبق الإصرار والترصد) على اقتراف عمليّة الزائدة الدودية.

ثم نسأل بعد ذلك لماذا يفضّل مجتمعنا الذكور على الإناث؟ وننكر صباح مساء وجود تمييز ضد المرأة!! فلنتق الله…