الميديون الكورد عند الاغريق

ذكر هيروديت معلومات عن الميديين وحسب وصفه فانه يقول بلغنا اي ان احدا او مجموعة قد ابلغته بهذه المعلومات…

ولكنه لايذكر اية تفاصيل عن مبلغينه وللفائدة انقل هنا ما كتب في كتاب تاريخ هيروديت 484- 425 ق- م : ترجمة عبد الاله الملاح 1999 منقولا عن ترجمة بالانكليزي لجورج رولنسون 1936 عن الترجمة اللاتينية لتاريخ هيروديت 1450م ثم قام هيوز باك بتنقيحها واصدارها 1537م : مراجعة د- احمد السقاف و د- حمد بن صراي .ولقد بلغنا ان ميديا يدعى ديوسيس ولد فراورتيس ، وقد عرف بالحكمة ، زين له الفكر ان يفرض سلطانه على من حوله ، فمضى ديوسيس يدبر خطته باحكام . ووجد هذا الرجل الميديين يعيشون في ذلك الزمن في قرى متباعدة بلا سلطة مركزية ، فكان حريا ان تتفشى الفوضى ، وفي تلك الايام برز رجل في قريته فاخذ يجهد في ارساء العدل بين اهله وعشيرته ، وكان يذهب في الرأي الى ان العدل والظلم نقيضان في صراع ابدي ولاسبيل للتوفيق بينهما فلما رسخت قناعته اخذ في الدعوة الى هذا المذهب واخذ الناس يقصدونه في شؤونهم وإذ وجدوا احكامه احكام عدل ونزاهة سعوا اليه ليكون الحكم في خلافاتهم ولما كان قد عزم على ان يكون له السلطان على القوم ظهر للناس قاضيا صادقا نزيها فاتجهت اليه انظار مواطنيه وشاع اسمه الى اهل القرى في الجوار وكانوا يعانون من الظلم فهرعوا اليه من كل حدب وصوب ليفصل في دعاواهم حتى محضوه كل ثقتهم لاينازعه فيها منازع . أخذ الناس يتوافدون على ديوسيس ليفض خلافاتهم وهم مطمئنون اليه بعد ما رأوا منه من رجاحة العقل ونزاهة الحكم ، حتى كثرت مشاغله بقضاياهم مما حمله على الاحساس عندئذ باهميته فاعلن للملأ انه لن ينظر بعد اليوم في قضية ، وانقطع عن الجلوس في المقعد الذي اعتاد الجلوس عليه وهو يحكم بين المتخاصمين وكانت حجته في هذا الاعتزال انه : ليس مما يتفق ومصلحته ان يشغل يومه في تصريف شؤون الناس ويهمل شؤونه الخاصة . فعادت السرقات وتفشت الفوضى ، وتنادى الميديون حين استفحلت الشرور للتداول فيما ينبغي عليهم القيام به وكان المتنادون واصحاب الرأي على ما يذهب بي الفكر ، من اصحاب ديوسيس وصاح هؤلاء في الندوة بالشكوى من ان : الحياة في هذا البلد لن تطاق إذا استمرت الامور على ما هي عليه الان ، والاحرى ان ننصب علينا ملكا يرعى شؤوننا ويسوس البلاد كما ينبغي ان تكون السياسة ، فنلتفت نحن الى شؤوننا ولانحمل على هجر ارضنا ، اقتنع القوم يومئذ بسلامة تلك الحجج واستقر عندهم القرار بتنصيب ملك عليهم يتولى تدبير الشؤون في البلاد . وكان من طبيعة الامور تقرير من يختار القوم ليكون الملك ولما بلغ الامر هذا الحد طرح اسم ديوسيس فلهجت الالسن بالثناء عليه فاتفق الجمع فورا على ان يكون الملك المشهود ، فلما عرضوا عليه المنصب طلب ان يشيد له قصرا يناسب مقامه وحرسا لشخصه فوافق الميديون على ما اراد وشيدوا له قصرا حصينا على ارض محدودة وتركوا له امر اختيار حرسه على نحو ما شاء من ابناء الشعب عامة . وهكذا ما ان جلس الملك على عرشه حتى طلب اليهم ان يشيدوا مدينة واسعة يجتمعون فيها ويهجروا بلداتهم الصغيرة التي يعيشون فيها لتكون العاصمة الجديدة التي يشخصون اليها بابصارهم ويقيمون على رعايتها وانصاع الميديون لاوامره وبنوا المدينة التي تعرف اليوم باسم اكبتانا ذات الاسوار الحصينة المنيعة والتي تطاول السماء في دوائر لولبية بعضها فوق بعض ، أما المخطط فيقوم على ان يعلو كل سور عن السور الذي قبله وكانت الارض التي قامت عليها المدينة وهي تل مرتفع يناسب هذا المخطط الى حد ما ، بلغ عدد الدوائر 7 ودائرة السور الخارجي تكاد تطابق دائرة سور اثينا والحجارة عند هذا الجدار بيضاء يليها صف من الحجر الاسود فالقرمزي فالازرق والخامس برتقالي ومطليه جميعها بالدهان واما الصفان الاخيران فمطليان بالفضي والذهبي ، وأما عامة الشعب فكان عليهم ان يقيموا مساكنهم خارج دائرة الاسوار ولما اكتمل بناء المدينة مضى ديوسيس لاعداد المراسم الملكية وكان من تقاليده الا يسمح لاحد بالاقتراب من الملك فيكون الاتصال به عبر المراسلين وقد حرم على رعاياه ان يشاهدوا شخص الملك او ان يضحكوا او يبصقوا في حضرة جلالته وهذه المراسيم هو اول من ابتدعها حماية لشخصه خشية من رفاقه الذين لايقلون عنه اصلا وبأسا ورجولة . فاذا ما اعتادوا مشاهدته قد يبرمون به ويتواطؤون عليه أما إذا غاب عن العين فلعله يكون له وقع في نفوسهم ويحسبونه مجبولا من جبلة غير جبلتهم . ثم انقطع ديوسيس لعمله واخذ يتابع نهجه في الاهتمام بقضايا الناس ، وقد جرت العادة على ان يرفع صاحب الدعوى قضيته بكتاب الى الملك فينظر فيها ويذيع بعدئذ على المتخاصمين قراره وكان قد بث العيون والارصاد في كل ارجاء مملكته فاذا بلغه نبأ اعتداء او تجاوز بعث في طلب الاثم ثم اوقع به العقاب وفقا لما ارتكب من الذنب . وحد ديوسيس صفوف الميديين وانفرد بعدئذ بحكمهم وهم يجتمعون في عشائر {بوساي ، باريتاسيين ، ستروكاتي ، أريزاتي ، بودي ، ماجي} . استمر عهد ديوسيس 53 سنة ثم خلفه ابنه فراورتيس الذي لم يرضى بمملكة الميديين فقط ، فاخذ بمهاجمة الفرس ثم دخل بلادهم على رأس جيش وما زال يجد في قتالهم حتى استولى على كل اراضيهم وبات ملكا على الشعبين ، ثم مضى ليستولي على آسيا وكان له النصر في كل حملة فاخذت البلدان تتهاوى امام سطوته وفي النهاية شن الحرب على الاشوريين واعني بهم اصحاب نينوى وكانوا من قبل سادة اسيا ، ولكنهم ظلوا رغم هذا اقوياء داخل بلادهم وعلى رغد من العيش ولقد تصدوا له حين شن عليهم الحرب فدحروه وقضوا عليه وعلى الكثير من جيشه بعد ان ظل يحكم الميديين 22 سنة . ثم بعد موته خلفه ابنه

سيا شاريس وقد قيل فيه انه كان يفوق اسلافه اندفاعا الى الحرب وهو الذي جهز جيشا لغزو اسيا فجعله في كتائب ووزعها بين كتائب حملة الرماح ورماة السهام والخيالة وكان الجيش قبله خليطا وهو الذي قاتل الليديين يوم انقلب فيه النهار فجأة الى ليل ثم اخضع اسيا وراء نهر خالص ولقد حشد كل الامم التي تخضع له وسار بهم الى نينوى وهو عازم على الانتقام لابيه يراوده الامل بان يظفر بتلك المدينة وكان ان اشتبك الجيشان في معركة انتهت بهزيمة الاشوريين وفيما كان خاشاتريتا قد شرع في حصار المدينة ، اندفع سيل جارف من السكيثيين بقيادة ملكهم ماديس بن بروتوثيز واجتاحوا اسيا ودخلوا ارض الميديين وهم يلاحقون السميريين الذين طردوهم من اوربا . ان المسافر إذا كان خفيف المتاع ليستطيع ان يقطع المسافة من بالوس مايوتيس حتى نهر فاسيس وكلوتش (القلزم) في 30 يوما . ولاتستغرق الرحلة من القلزم حتى تبلغ ارض الميديين زمنا طويلا ، فلا يوجد شعب يفصلك عن مقصدك سوى الساسبيريين ولكن هذا لم يكن الطريق الذي سلكه السكيثيون في مسيرتهم ، إذ لم يتبعوا في طريقهم الخط المستقيم ثم انهم اختاروا لهذا المسير الطريق الاعلى وهو اطول كثيرا جاعلين جبال القفقاس عن يمينهم وقد اعترض الميديون السكيثيون بعد غزوهم ارضهم فحاربوهم ولكنهم اندحروا وخسروا امبراطوريتهم فغدا السكيثيون لتوهم سادة اسيا . ولما تم لهم هذا زحفوا الى مصر للاستيلاء عليها فلما بلغوا فلسطين وجدوا امامهم ملك مصر بسميتاك ومعه الهدايا وهو يلهج بالدعاء لهم راجيا التوقف عن زحفهم فعادوا ادراجهم حتى توقفوا في عسقلان دون ان يلحقوا ضررا بالبلاد اثناء مسيرتهم لولا ان قلة منهم تأخرت عن الركب واخذت تعمل نهبا في معبد افروديت . وقد تقصيت الامر وتبين لي ان اقدم المعابد الخاصة بهذه الالهة ، وما المعبد المكرس لها في قبرص كما يسلم اهلها بذلك إلا تقليد لهذا المعبد في عسقلان ، والمعبد الذي في شتيرا اقامه الفينيقيون وهم اهل هذه المنطقة من سورية ولقد حل هؤلاء السكيثيين الذين نهبوا المعبد لعنة الالهة بان اصيبوا بمرض النساء وما زالت هذه اللعنة تلاحق ذريتهم وهم يعترفون بان هذا هو اصل العلة والذين يزورون بلادهم يلاحظون حقيقتها ويطلق على المصابين بها اسم الأيوريس . استمر سلطان السكيث على اسيا 28 سنة طغوا فيها وتجبروا فاشاعوا الخراب في كل مكان فكانوا بفرضون الاتاوات على امم عديدة فوق ما يبلغهم من الغنائم المعروفة كلما طاب لهم فضلا عن عسفهم بالبلاد وتغريم من تطاله ايديهم وبعد ان طالت سيرتهم وهم على هذه الحال دعا سياشاريس والميديون الجمع الاكبر منهم الى وليمة حافلة واترعهم نبيذا فلما ذهبت الخمرة بعقولهم انزلوا بهم مذبحة كبيرة فاستعاد الميديون ملكهم القديم . واستولى هؤلاء بعد ذلك على نينوى وسابسط لكم حديث ذلك في موضعه ثم حازوا على كل بلاد اشور عدا منطقة بابل ثم كانت وفاة سياشاريس وقد دام حكمه في الميديين إذا عددنا سنوات حكم السكيث 40 عام . ثم خلفه على العرش ابنه استياجيس وكانت له ابنة تدعى ماندانا بدت له ذات ليلة في حلم جميل فقد رآها فيما يرى النائم تصدر ماء غمر عاصمة بلاده حتى عم كل اسيا فعرض هذا الحلم على احد الكهنة وطلب منه تفسيرا . ولما عرض له التفسير ارتاع الملك اشد الارتياع حتى انه امتنع عن تزويج ابنته حين بلغت مبلغ النساء ، من اي من الميديين مهما علا مقامه خشية ان يتحقق الحلم لكنه قبل بزوج لها من احد نبلاء الفرس وكان رجلا حليما يخاطبه كما يخاطب اي ميدي من متوسطي الحال . وهكذا كان ان تزوج قمبيز الفارسي بماندانا وحملها الى بيته ثم رأى استياجيس حلما اخر في السنة الاولى من ذلك الزواج فقد رأى في منامه ابنته تخرج من رحمها كرمة تغطي اسيا كلها . فعرض الحلم على الكاهن ثم بعث في طلب ابنته من فارس وكانت حاملا وعلى ان تلد فلما وصلت الى قصره نصب عليها حراسا وهو عازم على قتل الطفل عند ولادته لان مفسري الاحلام قد تنبؤوا بان الذي ستلده سيكون الطاغية على اسيا وشاء استياجيس ان يلزم الحذر فارسل في طلب رجل من اهله واشد الميديين اخلاصا له ويدعى هارباجوس ومؤتمنا عنده وقال له : أي هارباجوس اصغ الي وحذار ان تهمل شيئا مما انا مسر اليك ولاتخن العهد فيما ساعهد اليك وإلا جلبت لنفسك الدمار في قادم الايام فخذ ولد ابنتي ماندانا الى بيتك واقتله هناك ثم ادفنه حيثما شئت فاجاب الرجل : اذن فاعلم ايها الملك ان هارباجوس كان ابدا الرجل المخلص لمولاه في كل امر ولتكن على ثقة يا مولاي بانه لن يخذلك في اي وقت من المستقبل فاذا كان هذا امرك فانك سوف تجدني حريصا على تنفيذه بكل دقة وكتمان . ولما قال هارباجوس قوله دفع اليه بالطفل وهو مكسو بازار الموت ، وقفل عندئذ عائدا الى بيته نائحا باكيا ووجد زوجه هناك فاسر لها بما قاله استياجيس فقالت له : اذن فعلام قر عزمك . فاجاب الرجل : إنه غير ما طلب استياجيس وقد يثور غضبه وتشتعل ثورته ولكني لست بالرجل الذي ينصاع لارادته اة يعينه في جريمة وما يحول دون اقدامي على هذه الجريمة كثير . فالطفل اولا من اهلي ودمي ثم ان استيجيس قد شاخ وعجز ولم يعقب ولدا . فاذا مات خلفته ابنته على العرش- هذه الابنة التي يطلب مني الان ان اقتل ولدها- فماذا ينتظرني سوى اسوأ العواقب ؟ حقا إن شئت السلامة كان موت الطفل واجبا ، ولكن موته يجب ان يكون على يد احد اهل استياجيس لا على يدي أو يد واحد من اهلي . ثم ارسل رسولا في طلب ميثراداتيس وهو احد الرعاة في خدمة استياجيس ويتخذ الجبال لرعي ماشيته ، وهي افضل مكان لتنفيذ ما اعتزم عليه حيث تجول الوحوش الضارية وتحلق في سمائها الطيور الكواسر . وكان ميثرداتيس متزوجا باحدى جواري الملك وتعرف في الميدية بسباكو وسينو بالاغريقية وتعني الكلبة بالميدية . أما الجبال التي ترعى ماشيته عند سفوحها فتقع الى شمال اكباتانا باتجاه بحر آو شينه وهو مكان مرتفع شديد الوعورة يجاور بلاد الساسبيريان وتغطيه الغابات فيما بقية المنطقة سهول منبسطة . ولما دخل الرجل تلبية لطلب هارباجوس ابتدره هذا بقوله : ان استياجيس يأمر بان تحمل هذا الطفل الى اسوأ بقعة في التلال حيث الموت مؤكد وقد امرني بان اخبرك بانك ستلقى اشنع ميتة إن لم تقتل الصبي أو تركت له مجالا للنجاة وعهد اليه بمهمة التأكد من انك تركت الطفل في البرية . ولما سمع الراعي تلك المقالة حمل الطفل بين ذراعيه وقفل عائدا من حيث اتى وشاءت الالهة ان تكون زوجته حاملا وكان الزوجان من قبل في ضيق فالزوج فزع من اقتراب موعد مخاض امرأته والزوجة في ضيق لان زوجها لم يسبق ان استدعاه هارباجوس من قبل ، وهكذا بادرت زوجها عند عودته بالسؤال عما حمل هارباجوس على استدعائه ، ثم وجدته يعود فاجابها قائلا : لقد رأيت وسمعت يازوجي عجبا وما كنت لاصدق ان ذلك مما يقع لاسيادنا لقد وجدت الجمع كلهم في بيت هارباجوس يبكون وينتحبون وراعاني المشهد ولكني اقدمت مع ذلك ودخلت القصر وما ان وطأت العتبة حتى وجدت طفلا على الارض وهو يصرخ ويبكي مغمورا بالذهب وملفوفا بالقماش المنسوج باجمل الالوان ولما وقعت عينا هارباجوس علي امرني ان احمل الطفل ولعلك تتسائلين عما كان علي ان افعل بهذا الطفل . إن الرجل اوعز إلي بان احمل هذا الرضيع الى الجبال لتفترسه الضواري ، وتوعدني بما لا يطاق إن قصرت في هذا ، وهكذا حملت الطفل وانا احسبه ولد احدى الجواري والحق اني اعجبت لذلك الذهب والثياب الجميلة مما كان يغطي بدن الوليد كما عجبت لذلك البكاء والنحيب في اهل هارباجوس . ولكن عجبي لم يطل إذ سرعان ما انجلت الحقيقة وبعدئذ ارسلوا احد الخدم ليمضي بي الى خارج المدينة ويحملني الطفل الوديعة وقد اخبرني بان الطفل ابن بنت الملك ماندانا وان اباه قمبيز بن قورش وكشف لي عن ان الملك هو من امر بقتله وهاك الطفل . ولقد كشف الراعي عندئذ عن الطفل لتتعرف عليه زوجته التي تأثرت اشد التأثر وهي ترى مبلغ جماله وعذوبته فاجهشت بالبكاء واخذت ترجو زوجها وهي تشده من ركبتيه ان يرحمه ويبقي عليه فكان رده ان ذلك من المحال وإلا كان موته على يد هارباجوس لانه لاريب مرسل من يتابع امره ويروي له حقيقة ما فعل والموت الشنيع جزاء العصيان فلما وجدت ان توسلها قد ذهب ادراج الريح عادت تقول وهي ترجوه : لقد طرقت كل باب معك فلما افلحت وإذا كان لابد من تقديم طفل للوحوش في الجبال فلك ان تفعل على الاقل ما سوف اعرض : احمل الطفل الميت الذي وضعته قبل عودتك بقليل وضعه حيث عزمت ان تضع هذا الطفل في التلال ولنقم على رعاية ابن بنت استياجوس وبذلك لاتكون قد اثمت بحق مولاك ولاتكون خسارتنا في ابننا بالفادحة ولسوف يشيع طفلنا المتوفي كما يشيع ابناء الملوك ونكون بالمقابل قد ابقينا على هذا الطفل . وقع القول موقعا حسنا في نفس الراعي ورأها افضل الحلول فاعطى الرجل امرأته الطفل الذي كان يعتزم قتله ووضع ولده الميت في مهد الاخر ثم بدل لباس كل منهما بملابس الاخر ومضى بالطفل الميت الى بقعة موحشة من الجبال ولما مضى مرور 3 ايام على ايداع الطفل في الجبال ، وكان قد ارصد هناك شخصا لينبىء بخبره ، انطلق الراعي الى المدينة متجها الى دار هارباجوس ولما قابل الرجل صاحبه قال له انه يستطيع ان يعرض له جثة الطفل فارسل هارباجوس جماعة من خاصة حرسه ليتأكدوا من ان الجثة قد عرضت في البرية حقا ، فلما ثبت لهم الامر اوعزوا بدفنها ، وهكذا اودع الطفل القبر بينما غدا الطفل الاخر الذي عرف في ما بعد باسم قورش في عناية زوج الراعي باسم اخر . ولما بلغ الصبي 10 من عمره اعترضه حدث ذو شأن وكشف عن حقيقة امره وها انا اروي لكم ما جرى . كان الفتى يلعب ذات يوم مع اقرانه بين الابقار والثيران في دروب القرية وفيما كان الفتية يلعبون تهيأ لهم ان يجعلوا من كانوا يسمونه بابن الراعي ملكا عليهم . وكان ان اتخذ ذلك الصبي مظاهر الملك وشرع يصدر الاوامر لاتباعه ، فكان منهم البناؤون الذين انشغلوا في بناء البيوت وعين منهم الحرس للخفارة وجعل واحدا عينا للملك وعين اخر عاملا للبريد ينقل رسائله ومراسيمه وكان بين هؤلاء ولد احد البارزين بين الميديين يدعى ارتمبارس فعارض هذا قورش فيما اخذ يصدر من الاوامر وكان ان امر قورش الاولاد باعتقاله فلما امتثل هؤلاء لاوامره تناوله بالضرب بالسوط واشتد في ضربه فلما اخلي سبيله مضى ولد ارتمبارس ثائرا للمهانة التي لحقت به وهو ابن واحد من كبار الناس وشكا امره لابيه وما لحق به على يد قورش ولكنه لم يذكر اسم قورش بطبيعة الحال فهذا اسم لم يكن قد عرف به بعد وإنما اشار اليه بابن راعي الملك ولقد ثار ارتمبارس لتلك الواقعة وغلت مراجل غضبه فسار الى الملك استياجيس يشكو اليه مهانته وكشف عن كتف الفتى وقال : هذا يا مولاي ما فعله عبدك ولد الراعي وما انزله بنا من الاهانة . فلما رأى استياجيس المشهد وسمع الكلام عزم على الانتقام لكرامة ارتمبارس المثلومة وانزال العقاب بالراعي وابنه فامر باحضارهما ، جاء الرجل وابنه ومثلا امام الملك فبادر استياجيس بالقول وهو يحدق في قورش : اذن انت ابن الرجل الوضيع الذي تجرأ على ابن نبيل من المقدمين في قصري . اجاب الصبي : قد عاملته بما يستحق ، اختارني فتيان القرية لاكون الملك في لعبة نلعبها وكانوا يمتثلون لامري إلا هذا الصبي فانه عصى وكان هو من بين من اختاروني لهذا الدور واخذا اوامري على محمل الخفة حتى استحق الجزاء فاذا حق علي العقاب لهذا فاني اقبله . كان استياجيس يصغي لحديث الصبي والشكوك تراوده في حقيقته فلقد وجد فيه شبها به ورأى في اجاباته نبلا ثم وجده في عمر يعادل في سنواته العهد الذي مضى على تضحيته بحفيده وظل استياجيس يقلب الامور على كل وجه ويستغرق في التفكير مستغربا صاغيا صامتا حتى تمالك نفسه بمشقة بعد زمن طويل واراد عندئذ ان يصرف ارتمبارس من المجلس ليختلي بالراعي فقال له : لك عهدي يا ارتمباريس بالا يكون لك او لولدك ما تشكوان منه بعد ان نبلغ قرارا في هذا الشأن ، فانسحب ارتمباريس من حضرة الملك بينما اصطحب خدمه باشارة منه قورش الى حجرة قصية ولما اختلى استياجيس بالراعي سأله كيف تحقق له ان يكون له هذا الفتى ومن هو صاحبه : فاجابه بان الفتى انما هو ابنه وهو والده وامه التي حملته ما زالت تعيش واياه في بيتهما فقال الملك انه جنى على نفسه إذ لم يحسن تأديب الولد ثم اشار الى حراسه باعتقاله وسجنه ولما اخذ الحراس في دفعه الى آلة التعذيب واحس بالشر الذي ينتظره شرع يروي الواقعة كما كانت منذ البداية وانتهى بالتضرع وطلب الرحمة والعفو من الملك . ولما سمع استياجيس رواية الراعي وتحقق من الامر لم ينله الضيق من فعل الرجل بقدر ما ثار غضبه لمسلك هارباجوس فبعث بالحرس في اثره فلما مثل امامه سأله : باي وسيلة قتلت ولد ابنتي الذي وضعته بين يديك ؟ فاثر هارباجوس الا يلجأ الى الكذب وقد رأى الراعي عند دخوله على الملك فخشي ان ينفضح كذبه فيضاعف من نقمة الملك فكان ان اجابه كما يلي : لما دفعت إلي بالولد عقدت العزم على تنفيذ رغبات مولاي جاهدا الا يصيب يدي شيء بدم هو في الحقيقة من ابنتكم ومن دم مولاي ، وما كان يراودني في هذا خاطر بان اعصي لكم امرا او ان اخون ثقتكم وكان ان تفتق ذهني عن هذه الوسيلة : لقد استدعيت هذا الراعي ودفعت له بالطفل وقلت له انه امر الملك ان يعدم وما كنت كاذبا فيما قلت فكذلك كان امركم وقد اوعزت اليه فوق هذا حين دفعت اليه بالطفل ان يتركه في الجبال التي تسكنها الوحوش وان يظل هناك للرصد حتى يتأكد من وفاته وهددته بالموت ان فشل في مهمته ولما انجز كل ما اوكلت اليه وقضى الطفل بعثت ببعض المخلصين من الخصيان فتفقدوا الجثة وتأكدوا من موت صاحبها عمدت عندئذ الى الامر بالدفن وهذه يا مولاي الحقيقة المجردة وتلك هي الطريقة التي قضى بها الطفل . وهكذا روى هارباجوس القصة ببساطة ومباشرة واخذ استياجيس عندئذ يكرر له حديث الراعي دون ان يكشف له عما يعتمر في نفسه من الغضب وانهى الكلام بقوله : واذن فالفتى ما زال حيا وفي هذا خير فلطالما حزنت لمآله وضاقت نفسي وقد حسبته ميتا ولكم تألم قلبي لتعريض ابنتي للالام والحق ان الاقدار اسعفتنا في هذا الانقلاب فهيا امض الى اهلك وابعث لنا بابنك ليكون في صحبة القادم الجديد فانا عازم الليلة على تقديم القرابين لسلامة الطفل فقد وجب علينا شكر الالهة لصنيعها ولسوف تكون ضيفا علي في المآدبة . سمع هارباجوس قول الملك فلهج بالشكر والعرفان ومضى الى بيته مبتهجا . وبدلا من النفي اصبح ضيفا على الملك في مآدبة وهكذا ما ان بلغ الدار حتى نادى ابنه الصبي ذا 13 عام وهو وحيد والديه وامره بان يمضي الى قصر الملك ويمتثل لكل ما يأمر به استياجيس ثم قصد زوجته واخبرها بما جرى ، أما استياجيس فانه لما تلقى الفتى ، ولد هارباجوس امر بذبحه وتقطيع اوصاله فجعل من بعضها شواء ومن البعض الاخر لحما مطهيا لتكون طعاما يقدم للضيوف على المآدبة . في الساعة المعينة حضر هارباجوس ومعه الضيوف الاخرون فجلسوا جميعا الى المائدة وكان للضيوف نصيب من اللحم أما هارباجوس فلم يكن امامه سوى لحم ولده عدا الاطراف والرأس فقد وضعت في سلة مغطاة فلما بدا هارباجوس شبعا بعد ان تناول نصيبه من الطعام ناداه استياجيس يسأله إن كان قد استطاب الطعام فاجاب انه استمتع به كل الاستمتاع وعندئذ جاءه الخدم على نحو ما أمر استياجوس حاملين معهم السلة وفيها رأس ولده ويداه وقدماه ورجوه ان يفتحها ويأخذ منها ما طاب له ولقد رفع هارباجوس الغطاء فوقعت عيناه على بقايا ولده ، لكن المشهد لم يروعه او يذهب بجنانه ، ظل ثابتا لايبدي تأثرا بما رأى فسأله استياجيس عندئذ ان كان يدري لحم اي حيوان تناول فاجاب الرجل بانه يعرف صاحبه حق المعرفة وقد اصاب الملك بما فعل ولما انتهى الرجل من الكلام حمل الاواني بما بقي منها من الطعام ومضى على ما احسب ليدفن بقايا ولده ، اخذ استياجيس يتدبر ما ينبغي عمله بحفيده قورش فارسل في طلب الكهنة الذين فسروا له ذات يوم ذلك الحلم على النحو الذي اثار فيه الذعر وطلب اليهم من جديد ان ينظروا في تفسيره فكان ان جاء جوابهم موافقا لرأيهم القديم وهو ان الفتى مقدر له ان يغدو ملكا بلا ريب ، حين يشب ويشتد عوده إن لم يكن قد افلت من الموت صغيرا فاجابهم استياجيس ان الفتى لم يمت وهو حي يرزق وقد اختاره صبيان من القرية ملكا عليهم فجلى في دوره فكان كالملوك حقا في كل ما سلك من تعيين مهام الحرس والحراس والمراسلين فحكم فيهم جميعا فاخبروني ما قولكم الان فيما افعل ؟ فردوا عليه : إذا كان الفتى حيا وفاز بملك دونما تدبير منك فلك ان تثق بان لاضير منه فاطمئن . فلقد تحقق له الملك مرة ، ولن يكون له ثانية فلطالما صادف ان تحققت نبوءاتنا في حوادث تبدو غير ذات بال أما الاحلام فغالبا ما تتحقق في امور غاية في التفاهة . فقال استياجيس ردا على مقالة الكهنة : واني ارى مثلما ترون فلقد تحقق الحلم الذي راودني حين سمي الولد ملكا ومنذ تلك اللحظة لم يعد هذا بالخطر علي . ولكني ارغب مع ذلك ان تنظروا في الامر مليا ثم تقدموا لي بالنصيحة في الطريقة الامنة لي ولاسرتي . رد الكهنة : انه لامر عظيم لنا نحن ايضا يا مولاي ان يستمر عهدكم وسلطانكم فهذا الفتى فارسي وغريب عنا ولو انتقل السلطان اليه لصغر شأننا ونحن ميديون وابناء جنس غير جنسه ولانتهينا عبيدا عنده أما انت فمن اهلنا وعشيرتنا وبوجودك على العرش نأمن لانفسنا نصيبنا من السلطان ومراتب الشرف التي تكرمنا بها وحسبك هذا سببا لانشغالنا بامرك وامر ملكك على اشد ما يكون الانشغال . فان وجدنا خطرا يتهددك في هذا الامر لما ترددنا في الاشارة اليه دونما مواربة ولكن الحلم انتهى الان الى هذه الخاتمة التافهة وانا لمطمئنون والرأي عندنا الا تشغل النفس بما لانراه جديرا بالقلق ولكننا لك من الناصحين مع ذلك ان ترسل الفتى الى اهله في فارس فلا تقع عيناك عليه . لقد سر استياجيس بنصيحة الكهنة واستدعى قورش وقال له : قد اخطأت في حقك يا بني ، لحلم راودني ولم يتحقق ، وقد شاءت الاقدار الا يصيبك مكروه فهيا امض الى فارس الان ولك حرس يصحبونك ويؤمنون لك السلامة في رحلتك وليكن التوفيق معك ولسوف تجد هناك ابا واما من غير مقام الراعي ميثراداتيس وزوجه . وهكذا كان ان انصرف قورش من حضرة الملك وصير الى قصر قمبيز ليتلقاه ابواه هناك بحبور وسرور بعد ما انقطع بهما الرجاء باستعادته من براثن الموت وعلما منه سبيل هربه من الموت . وكان جواب قورش انه لم يكن يعلم بما جرى له الا وهو في طريقه اليهما وكان قبل ذلك جاهلا بحقيقة امره ويحسب خطأ انه ابن الراعي ثم كان ان علم بقصته في طريق العودة من الحراس الذين رافقوه في الرحلة ومضى يروي لابويه رعاية زوج الراعي سينو له في صغره وحنوها عليه وما انقطع يثني عليها ولاينفك يردد اسمها طوال الحديث . ولقد اوحى اسم المرأة سينو الكلبة لوالديه باسطورة لتشيع بين الفرس وتبين لهم العناية الإلهية التي حفظت لهما ابنهما من السوء وهكذا اشاعا ان كلبة وقعت عليه وحيدا في الجبال فتولت ارضاعه وقامت على رعايته حتى كبر واشتد عوده وحين بلغ قورش مبلغ الشباب وشاع اسمه بين ابطال فارس وبات محبوبا من الناس اتصل به هارباجوس المتلهف للانتقام واخذ يتقرب منه بالرسائل والهدايا ذلك انه لم يكن يرى نفسه في وضع يسمح له بانزال العقاب بالملك دون مساعدة من طرف اخر فلما رأى قورش يشب عن الطوق سعى لكسب مناصرته قائلا انه نال من المصائب مثلما نال هو وكان قد مهد الطريق لخطته بان زين لكبار الميديين بتأييده بالاطاحة باستياجيس عن عرشه لعسفه وبأسه وتنصيب قورش مكانه وقد اعد لذلك خطته بان سعى الى احاطة قورش علما بما اعتزم عمله ولكن دون ذلك مصاعب جمة لبعد المسافة عن فارس والحراسة التي اقامها استياجيس على الطريق فتفتق عقله عن حيلة لابلاغ قورش بخطته بان اتى بارنب بري فشق بطنه ، بينما ابقى على وبره ودس فيه ورقة عرض فيها ما اراد ان يبلغه مقالته ، ثم عمد الى خياطة بطن الارنب وحمله لخادم موثوق مع شبكة ليبدو في هيئة صياد ووجهه الى فارس على ان يقدم ذلك الارنب لقورش وعليه ان يقطع الخيط عن بطنه بيده ولا احد سواه وفي حضور الخادم ولااحد غيرهما في المكان وهذا ما كان . فلما تسلم قورش الارنب واخرج الرسالة قرأ فيها التالي : يا بن قمبيز قد حبتك الالهة برعايتها ولولاها لما بلغت ما انت فيه من النعمة وبات عليك ان تسدد لاستياجيس دينه والا كان قاتلك ولو تحقق له ما اراد لكنت ميتا ، واذن فانت مدين بنجاتك للالهة ولي . ولاريب بانك قد عرفت ما دبره لك استياجيس وكيف كان جزائي بعدما دفعت بك الى الراعي بدلا من قتلك فافعل ما انا مشير عليك به وستكون لك مملكة استياجيس كلها . هيىء الفرس للثورة وامض لملاقاتك الميديين ولايضيرنك ان كنت انا او احد المقدمين منهم على رأس الجيش الذي يرسله الملك لملاقاتك فالفوز لك في كل الاحوال لان اشرف الميديين سيكونون اول من يهجرونه للانضمام اليك في جهدك للاطاحة به ، ونحن جميعا جاهزون للعمل . فافعل ما انصحك به وبادر بالعمل سريعا ولقد اثارت تلك الرسالة في عقل قورش شتى ضروب الافكار ، فجعل يقلب الامور على وجوهها باحثا عن انجع الوسائل لحمل الفرس على الانتفاضة على حكم الليديين فاوحى له الفكر بالخطة التي ساعرضها هنا لانفاذ امره فكان ان كتب على لفافة من الورق صيغة امر من استياجيس بتعيينه قائدا على جيش الفرس ثم دعا اليه جمعا من رؤساء الفرس وفض على مرأى منهم تلك اللفافة وقرأ عليهم ما دون فيها واضاف : والان هاكم هذا الامر : ان على كل شخص الحضور غدا حاملا معه منجلا . وأمة الفرس جمع من القبائل فكان الذي اجتمع منها عند قورش ورضي بالثورة قبائل البارسارجاداي والمارفيان والماسبيان ويعتبر الباسارجاداي هم النبلاء بل ان الاخمينيين الذين منهم كل ملوك الفرس فرع من الباسارجاداي واما بقية القبائل الفارسية فهي البافثيالايان والديروسيايان والجيرمانيان وجميعهم مقيم على ارضه بينما القبائل الاخرى وهي الدان والمارديا والدروبيكان والساجراتيان من البدو الرحل . امتثلت القبائل للامر ، فاجتمع الرجال بمناجلهم في المكان المعين وسمعوا من قورش امره التالي وهو ان يقيموا بتنقية قطعة من الارض مساحتها 3604 ياردة مما فيها من الاشواك ولما نفذ هذا الامر اصدر قورش للتو امره بان يتواجد الرجال في الغد كذلك وشدد عليهم بان يأتوا بعد استحمام وكان قورش قد عمد في غضون ذلك الى ذبح كل ما عند ابيه من الماعز والاغنام والثيران ليولم لجيش الفرس مأدبة عمرت فوق هذا كله باطايب الخمور واشهى الخبز وفي اليوم التالي اجتمع الضيوف عنده فاشار اليهم بالجلوس على العشب والاستمتاع بما توفر امامهم من الملذات ولما تناولوا ما شاؤوا من الطعام والشراب التفت قورش فسأل الجمع اي الامرين ادعى لارتياحهم- عمل البارحة ومشقته ام متعة اليوم ، فكان جوابهم ان اين بؤس البارحة من هذا الذي ينعمون فيه اليوم . وكان قورش ينتظر سماع مثل هذا القول فاغتنم الفرصة وشرع يعرض عليهم امره فالقى عليهم خطبته وقال فيها : يا ابناء فارس اعيروني سمعكم واصغوا لنصيحتي وستنالون حريتكم . فانا الرجل الذي اختارته الاقدار لتحريركم ويقيني انكم انداد للميديين في الحرب كما في كل امر اخر . الحق ما اقول فهيا ولاتترددوا وانزعوا عن رقابكم نير استياجيس حالا . ولقد كان لحديث قورش ابلغ الوقع عند مستمعيه فلطالما كره الفرس استعباد الميديين لهم وهاهم الان يجدون قائدا يسير بهم الى طريق الحرية فما كان منهم الا ان هللوا لهذا الامل الذي لاح لهم وهو المبشر بهم الى طريق الحرية وسرعان ما تواردت الانباء وبلغت استياجيس فبعث يستدعي قورش ليمثل امامه وكان ان حمل موفده بعبارات تحمل الوعيد بانه قادم باسرع ما يطيب لاستياجيس فما كان منه الا ان عبأ الميديين وحشد له الحشود ولكن الفطنة خانته يومذاك فجعل هارباجوس على رأس قواته ويبدو انه نسي ما ارتكبه في حقه قبل حين . وكان من اثر ذلك ان قلة من جنوده لم تشترك في المؤامرة ، هي التي صمدت في ساحة المعركة حين اشتبك الجيشان ودار القتال ، واما البقية فكانوا بين فار الى معسكر الفرس ومتكلف يصطنع القتال اصطناعا ليهرب بعدئذ من المعركة . ولما علم استياجيس بنبأ انهيار جيش الميديين على هذا النحو المخجل لم يثنه ذلك عن عزمه فاقسم الا يتيح لقورش فرصة النصر السهل وقام بيسليح ما بقي في المدينة من الميديين بعدما عمد الى اعدام الكهنة الذين اشاروا عليه باطلاق قورش ، بالخازوق ولقد انتهى بسقوط جنوده في ساحة القتال بينما حوصر هو واستسلم . ولما تم اسر استياجيس جاءه هارباجوس مقرعا منددا ينزل به اشد الاهانات وهو يذكره بالعشاء الذي قدمه له وكان من لحم ابنه وسأله عن حاله بعد ما غدا عبدا فحدجه استياجيس بنظرة ورد عليه بسؤال لان هارباجوس كان شريكا لقورش فيما فعل ؟ فاجابه بان له قطعا ضلعا فيما وقع فهو الذي كتب لقورش يحضه على الثورة . فقال له استياجيس اذن فانت لست الاشد لؤما بين البشر وحسب بل اكثر الرجال غباء فاذا كان هذا من تدبيرك حقا لكان الاجدر ان تكون انت الملك ولكنك اعطيت السلطان لرجل اخر واللؤوم فيك جلي لانك بسبب ذلك العشاء حملت الميديين الى العبودية واذا كان لابد لك من ان تسلم العرش لاخر غيرك لكان الاجدر بك ان تقدم هذه الجائزة الجليلة لميدي بدلا من فارسي لكن الحال القائمة الان هي ان الميديين الابرياء من كل جنحة غدوا عبيدا بعد ما كانوا اسيادا واصبح الفرس سادة عليهم ، وما كانوا عبيدا عندهم . استمر استياجيس في الملك 35 عاما ثم انتهى على هذا النحو الذي ذكرت ولقد صار الميديون تحت هيمنة فارس بعد ما كانوا سادة اسيا وراء نهر القيزيل طوال 128 سنة . ثم قابل قورش استياجيس احسن استقبل واستضافه في قصره حتى وفاته . وتولى القيادة من بعده هارباجوس وهو ميدي اخر وزحف الى ايونيا وشرع في الاستيلاء على مدنها ووسيلته في ذلك محاصرة المدافعين داخل الاسوار ثم بناء تلال من التراب ليعتليها الجنود وبذلك يتمكنون من المدينة .

{المعد : نساء حكمن بابل ووقفن في وجه الميديين}

سمير اميس هي التي انشأت بعض الحواجز الضخمة في السهول خارج المدينة لتتحكم بالنهر الذي دأب على اغراق الريف حين كان يفيض أما الثانية فهي نيتو كريس وكانت اكثر ذكاء من سمير اميس لم تقتصر مآثرها على المنشأت التي سأتي على ذكرها وحسب وانما زادت وقد لاحظت اتساع سلطان الميديين وباتت تخشاهم مثل خشيتها من المدن الاخرى ومنها نينوى فاتخذت للامر كل عدة ممكنة لتضمن لبلادها الامن والسلامة ومن ذلك انها عدلت في مجرى نهر الفرات الذي يمر ببابل إذ كان يجري مستقيما فامرت بحفر القنوات فاحدثت فيه تعرجات والتواءات حتى بات يمر باحدى القرى الاشورية وهي ارديركا 3 مرات ثم اقامت الحواجز العالية المنيعة على ضفتي النهر وحفرت حوضا لبحيرة يبلغ محيطها 47 ميلا واستخدم التراب الذي تجمع من الحفر في بناء التحصينات ولما انتهى عمل الحوض امرت الملكة بجلب الحجر الى الموقع وجعلت منه سورا حول المكان وكان الغرض من اعمال الحفر وتحويل مجرى النهر احداث انحناءات ةتعرجات تكفل التخفيف من سرعة التيار ومنع الملاحة نحو المدية ذلك ان القارب الذي يسير في النهر بات يواجه بعد هذه الاعمال اشد صعوبة في رحلته ويضطر للدوران حول البحيرة فيصبح الابحار مسألة شاقة وقد هدفت الملكة فيما هدفت اليه التضييق على الميديين وعرقلة اتصالهم باهل بابل فتحد من مخالتطهم باهل البلد لان المسالك المؤدية الى اشور تقع على خط متصل ببلاد الميديين .